ابن كثير
23
طبقات الشافعية
منكم فمن عدّلوه كان عدلا ومن جرّحوه كان مجروحا ، فجمعوا لي سبعة منهم ، فجلست للحكم ، فقلت للخصوم : تقدّموا فإذا شهد الشّاهدان عندي التفتّ إلى السّبعة فإن عدّلوه كان عدلا وإن جرّحوه قلت : زدني شهودا ، فلمّا أتيت على ذلك وجعلت أسجّل وأحكم فنظروا إلى حكم جار فقالوا : إنّ هذه الضّياع والأموال التي تحكم علينا فيها ليست لنا وإنّما هي لمنصور بن المهدي في أيدينا ، فقلت للكاتب : اكتب وأقرّ فلان بن فلان الذي وقع عليه حكمي في هذا الكتاب أنّ هذه الضّيعة أو المال الذي حكمت عليه ليست له ، وإنّما هي لمنصور بن المهدي ، ومنصور بن المهدي عليّ حجّته متى قام ، قال : فخرجوا إلى مكّة فلم يزالوا يعملون حتّى رفعت إلى العراق فقيل لي : الزم الباب فنظرت فإذا أنا لا بدّ لي من الاختلاف إلى بعض أولئك ، وكان محمّد بن الحسن جيّد المنزلة عند هارون فاختلفت إليه وقلت : هذا أشبه لي من طريق العلم ، فكتبت كتبه وعرفت قولهم ، فكان إذا قام ناظرت أصحابه . قال ابن أبي حاتم : حدّثنا الرّبيع ، سمعت الشّافعي رضي اللّه عنه يقول : حملت عن محمّد بن الحسن حمل جمل ليس عليه إلّا سماعي . وحدّثنا أبي قال : حدّثنا أحمد بن سريج سمعت الشّافعي رضي اللّه عنه يقول : أنفقت على كتب محمّد بن الحسن ستّين دينارا ثمّ تدبّرتها فوضعت إلى جنب كلّ مسألة حديثا ردّا عليه . قلت : هذا كلّه كان في قدوم الشّافعي رضي اللّه عنه بغداد في القدمة الأولى ، وكان ذلك في سنة أربع وثمانين ومائة بعد موت القاضي أبي يوسف رحمه اللّه بسنتين ، فلم يدركه ولا رآه ؛ وما ذكره عبد اللّه بن محمّد البلوي في رحلة الشّافعي رضي اللّه عنه من مناظرة الشّافعي رضي اللّه عنه أبا يوسف بحضرة الرّشيد وتأليب أبي يوسف عليه فكلام مكذوب باطل اختلقه هذا البلوي قبّحه اللّه . وأبو يوسف رحمه اللّه كان أجلّ قدرا وأعلى منزلة ممّا نسب إليه ، وإنّما أدرك الشّافعي رضي اللّه عنه في هذه القدمة محمّد بن الحسن الشّيباني فأنزله في داره وأجرى عليه نفقته وأحسن إليه بالكتب وغير ذلك ، رحمهم اللّه ، وكانا يتناظران فيما بينهما كما جرت عادة الفقهاء ، هذا على مذهب أهل الحجاز ، وهذا مذهب أهل العراق ، وكلاهما بحر لا تكدّره الدّلاء ؛ وقد بعث الشّافعي رضي اللّه عنه في وقت يطلب من محمّد بن الحسن كتبا عيّنها فتأخّر إرسالها فكتب إليه :